بين العقل والقلب 2
يمثل العقل دوراً محورياً في تشكيل منظومة الأفكار والمعتقدات التي يحملها الفرد وتكون خاضعة لعملية التفكير المنطقي إلا انه يمكن الإشارة إلى عدة جوانب تتعلق بالعقل قد تكون محلاً للتأمل:
- حدود العقل: إن العقل وركائزه يمكن أن يتقدم لاكتشاف حقائق الوجود إلى حد معين لا يستطيع تجاوزه بعد ذلك لقصوره عن إدراك ما وراء ذلك الحد[1].
- العلم والعمل: حتى في حال إدراك العقل للحقائق فان هذا الإدراك لا يعني بالضرورة الإذعان والإيمان بها وكما ذكرنا سابقاً فان التصديق بالحقائق هو الذي يولد السلوك لدى الفرد وهو الذي يترتب عليه الجزاء الأخروي.![]()
إذا فالعقل وحده قاصر عن الكشف عن العديد من جوانب الحقيقة, والسؤال البديهي في هذه الحالة ما هو البديل؟
في مقام الإجابة عن هذا السؤال يشار إلى أن الإنسان مزود بنظام قادر على الكشف جوانب أخرى من الحقائق بإمكانه أن يتكامل مع العقل ويحل محله في حال قصوره, نعم قد تتعد أسمائه تبعاً لتعدد المدارس الفكرية فهي الفطرة ,القلب, البصيرة,الصوت الداخلي,….. والتي في اغلبها تشير إلى حقيقة واحدة وهي ذلك العنصر الإدراكي الذي يقابل العقل عند الإنسان. نقتصر في تسميتها هنا على القلب أو الفطرة.
وتعرف هذه الفطرة بكونها تستعمل للإنسان وهي مثل الغريزة والطبيعة أمر تكويني [2] كفيلة بتحريك الإنسان باتجاه الكمال المطلق وتحقيق غاية وجوده الكبرى والحصول على رسوم الكمالات العليا[3].
وللفطرة خصائص عدة نجملها في أربع نقاط:
- الفطرة قاسم إنساني مشترك: أي أنها (من الأمور الفطرية التي جبلت عليها سلسلة بني البشر بأكملها بحيث انك لن تجد فرداً واحداً في كل المجموعة البشرية يخالفها … إنها الفطرة التي تعشق الكمال فأنت إن تجولت في جميع الأدوار التي مر بها الإنسان واستنطقت كل فرد من الأفراد وكل طائفة من الطوائف وكل ملة من الملل تجد هذا العشق والحب جبل في طينته فتجد قلبه متوجهاً إلى الكمال)[4].
- عدم القدرة على تشخيص المصداق: ينحصر هذا النوع من المعرفة القلبية في كونه دافعاً للكمال نافراً من النقص من غير قدرة على التحليل وإعطاء التفسيرات والتبريرات المنطقية التي هي من مختصات العقل[5].
- قابلية الشدة والضعف: رغم كون الفطرة من الأمور التي يتساوى من حيث وجودها جميع بني البشر إلا انه يتفاوت الناس في الاستجابة لصوت القلب أو نداء الفطرة كما أنها قابلة للشدة والضعف. ![]()
- الغفلة عنها: إن شدة ارتباط الإنسان بالماديات وانسه بالمحسوسات عامل أساس في صم الآذان عن الاستماع لصوت القلب والاسترشاد بنور هداية الفطرة.
واختم الكلام بنقل بعض العبارات المضيئة والجديرة بالتأمل حول تكامل العقل والقلب.
كل إنسان من بني البشر يلمس في وجوده مركزين للإدراك والفهم احدهما العقل والأخر القلب والوجدان.فبالقوة العاقلة يدرك الإنسان مصالحه ومفاسده ويميز بين المحبوب و المكروه , والحق والباطل.أما القلب والوجدان والذي يمكن أن يقال لهما الجبلة والفطرة أو الإحساس الخفي أو الإدراك الباطني فيستطيع الإنسان بواسطته أن يوطن صلته بعالم الوجود والعلة التي أوجدته وأوجدت العالم ويقيم صلة جاذبة بين مبدأ المبادئ وغاية الغايات و الشيء الطبيعي أن هذين العنصرين الإدراكيين المهمين موجودان في كل إنسان لكل منهما وظيفة يتبعها في إطار افقه الإدراكي وفهمه الخاص بحيث لاستغني احدهما عن الآخر وبفقد احدهما ينغلق أمام الإنسان عالم من المدركات.[6]
[1] السيد كمال الحيدري , مدخل إلى مناهج المعرفة عند الإسلاميين ص274
[2] مرتضى مطهري , الفطرة ص23
[3] السيد كمال الحيدري, معرفة الله ج2 ص38
[4] الإمام الخميني , الأربعون حديثاً ص 204
[5] راجع كتاب نظرية الإمامة رؤية قرآنية للسيد كمال الحيدري فصل الهدايات الثلاث ص 40.
[6] السيد كمال الحيدري , أصول التفسير والتأويل ,المقدمة ص40 نقلاً عن محمد حسين الطهراني.

اترك تعليقك